عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
59
معارج التفكر ودقائق التدبر
ثاني عشر : وفي العهد المدنّي أنزل اللّه عزّ وجلّ بشأن الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم نصّا ضمّ إلى سورة مكيّة التنزيل هي سورة ( غافر / 40 مصحف / 60 نزول ) هو قول اللّه عزّ وجلّ فيها ؛ إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 56 ) . في هذا الإجراء الحكيم إشعار بأنّ المراد بهذا النّصّ هم طغاة مستكبرون من مشركي مكّة ، ولكن اقتضت الحكمة الدعويّة تأخير إنزاله إلى العمد المدني لئلا يستثير حفيظتهم ويهيّج غضبهم ، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومعظم المسلمين بينهم وتحت سلطانهم . وقد علّم اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وكلّ حملة رسالته من أمّته ، أن يستعيذوا باللّه من شرور الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان علميّ أتاهم ، إنّما الدافع الذي يدفعهم إلى الجدال بالباطل كبر في صدورهم ، يضعون به أنفسهم في منزلة فكريّة واجتماعيّة ليسوا هم أهلا لها ، ولا هم ببالغيها . فاستكبارهم استكبار ظالم معتد مجانب للحقّ ، يدفع المصاب به إلى الانتقام السّريع بحماقة ، ممّن يكشف خبايا نفسه . ثالث عشر : ثمّ علّم اللّه المسلمين ولا سيما حملة رسالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أمّته ، أن لا يتّخذوا أيّ عمل يشعر بالاستهزاء بالآخرين ، وأخطر ذلك ما يكون في مسائل الدين . وعلّمهم أن يستعيذوا باللّه من أن يرتكبوا هذه الحماقة القبيحة الّتي لا يفعلها إلّا الجاهلون .